الوقت: 2013-03-30 11:06 المصدر: «ألف ليلة وليلة» المؤلف: مجهول عندما ولدت، لم تكن عيناي عمياء. تجربتي في هذه الحياة غريبة وعجيبة، وإذا كتبتها في كتاب، تكفي لإفادة الأجيال القادمة.
كان والدي ملكاً، وكنت أنا ولي العهد. منذ صغري درست القرآن، وفهمت القراءات السبع للقرآن. في شبابي تعلمت أيضاً مع الكثير من العلماء، وأتقنت علوم الفلك والجغرافيا والشعر والنثر، وانغمست في دراسة مختلف العلوم والفنون، ولذلك كانت معرفتي وإنجازاتي متميزة في الوسط الأكاديمي في زماني، وذاع صيت اسمي في مختلف الأماكن.
عندما سمع ملك الهند بعلمي الواسع، أرسل مبعوثين حاملين هدايا ثمينة، لا يبالون بالمشقة، قطعوا آلاف الأميال، وجاءوا إلى بلدي لزيارتي، ودعوتني إلى الهند لإلقاء المحاضرات. والدي رتّب لسفري ست سفن كبيرة، محملة بالعديد من الهدايا والجمال والخيول، فانطلقنا وأقمنا في البحر شهراً كاملاً، ثم عند أحد الموانئ، أحضرنا الجمال والخيول، ونزلنا الهدايا، وحملتها عشر جمال بالكامل، وركبت أنا على حصان برفقة خدم السفرة إلى الهند.
لم يمر وقت طويل على رحلتنا حتى هبت عاصفة قوية في الصحراء، فثار الغبار في كل مكان وغطى السماء والشمس. وبعد أن هدأت العاصفة، ظهر فجأة في الصحراء خمسون فارساً عتيد الشجاعة مرتدين الدروع. وعند تفحصنا وجدنا أنهم مجموعة من اللصوص العرب. ولأننا كنا ضعفاء نسبياً ومعنا عشر جِمال محملة بالكنوز الثمينة، فقد جاؤوا للسطو علينا. عند هجومهم علينا، قلت لهم: "نحن سفراء أجانب ذاهبون لزيارة ملك الهند، لا يمكنكم معاملتنا هكذا."
قالوا وهم يختطفون الممتلكات ويقتلون: "نحن لسنا في بلده، وبالتالي لسنا تحت سلطته."
قُتل بعض رجالي، وفر آخرون، وكنت أنا مصاباً بجروح خطيرة. ولحسن الحظ، فقد لفت انتباه اللصوص الأموال ولم يلاحظوني، فتمكنت من النجاة. كنت في ذلك الوقت شخصاً نبيلاً يعيش حياة مرفهة، وعندما وقعت المصيبة، شعرت بالذعر والارتباك، ولم أكن أعرف اتجاهي أو طريقي.
فركضت هارباً مذعوراً ودخلت مَهْرَباً في كهف لأختبئ. وفي اليوم التالي خرجت من الكهف وواصلت الهرب بسرعة، حتى تاهت بي الطريق في نهاية المطاف ووصلت إلى مدينة. كانت المدينة مكتظة بالسكان، وكانت مظاهرها تعكس جمال الطبيعة ووفرها.لقد مر شتاء قارس للتو، وقد جاء نسيم يسير يحمل معه رائحة الربيع، تتنافس الزهور في كل مكان، ويجري الماء بصوت خافت ممزوج بأغاني الطيور العذبة، وكان ذلك حقًا:
مدينة يسودها الأمن والرخاء،
لا أثر للاضطراب فيها،
السلام والهدوء هي ملامحها،
وتبدو وكأنها جنة على الأرض،
في حياة الناس،
دائمًا هناك مظاهر جميلة ومؤثرة.
دخلت المدينة، وسقطت الصخرة من قلبي على الأرض.
كنت حينها منهكًا تمامًا. بسبب أيام الرعب المتتالية، أصبحت روحي منهكة، وفي هذه المدينة الغريبة، لم أكن أعلم إلى أين أذهب لأجد مأوى. جرّيت ساقيَّ وكأنهما مملوءتان بالرصاص، وعبرت أمام محل خياط، وحيت الخياط. أوقفني الخياط، وسألني بقلق عن سبب تجوالي هنا. رويت له كل ما حدث لي من سرقة على يد اللصوص أثناء الرحلة بالتفصيل. بعد سماعه ما مررت به، شعر بالقلق الشديد من أجلي، وقال: "أيها الشاب، احرص على عدم كشف هويتك، فأنا أقلق عليك، هل تعرف ملكنا؟ هو عداء قديم لوالدك، وهناك عداوة تاريخية بين بلدينا، وقد يقوم بالقبض عليك."
ثم أحضر لي طعامًا، وأكلت معه وشربت. جلسنا معًا نتحدث حتى وقت متأخر من الليل. وقد أعد لي مكانًا في غرفة مظلمة للراحة، وجلب لي أغطية وأشياء حياتية أخرى. وهكذا مكثت ثلاثة أيام عند الخياط، وسألني: "هل تتقن أي حرفة لكسب العيش؟"
"أنا متعلم، وأتقن القرآن، وكتابة الخط جيدًا، وأعرف الحساب والمحاسبة."
"هذه علومك ومعارفك لا فائدة منها هنا، فناسنا هنا، باستثناء معرفة التجارة والبيع، لا يفهمون أي علم أو معرفة أخرى."
"أشهد أن الله يعلم، لا أعرف أي حرفة أخرى سوى هذه المعرفة والعلوم."
"اثبت حزامك، واحمل الفأس والحبال، اذهب إلى الجبل لتقطع الحطب، ثم عد لبيع بعضه لكسب العيش! الله سينجدك. طالما لم يُكتشف هويتك، فلن يحدث لك أي مكروه."
اشترى لي فأسًا وحبلًا، وقادني إلى بيت الحطابين، وتركني معهم. منذ ذلك الحين رافقت الحطابين كل يوم إلى الجبل لقطع الحطب، ثم نربطها بالحبال، نحملها إلى المدينة، ونبيع نصف قطعة ذهبية. يُستخدم جزء من المال للمعيشة، ويتم ادخار الباقي. هكذا عشت حياة الحطاب لأكثر من عام.
في بداية السنة التالية، خرجت كالعادة لقطع الحطب.تسللت إلى الأعماق الجبلية، واكتشفت غابة يوجد فيها الكثير من الحطب الجاف، وكان هناك شجرة جافة ضخمة بشكل غير عادي. قمت بالحفر بجانب جذور الشجرة، وأزحت التربة، وبمصادفة اصطدمت فأسـي بشيء صلب كالفولاذ. فككت كل التربة، فوجدت حلقة نحاسية مثبتة على غطاء خشبي. رفعت الغطاء الخشبي، وظهرت أمامي سلم. في أسفل السلم كان هناك باب، دفعته ودخلت، فظهر أمامي منزل ذو تصميم فريد وجميل، يسكنه فتاة جميلة كالزهرة. عندما رأيت تلك الفتاة، دهشت من عظمة الله، الذي خلق فتاة جذابة إلى هذا الحد، وخشيت أن أسجد له بإخلاص على الأرض.
نظرت إلي الفتاة وسألت: "من أنت؟ هل أنت إنسان أم شيطان؟"
قلت: "أنا إنسان."
قالت: "كيف أتيت إلى هنا؟ لقد عشت هنا خمسة وعشرين ربيعًا، لكنني لم أرَ أي إنسان من قبل."
رويت لها هويتي الحقيقية وتجربتي من البداية إلى النهاية. استمعت إليّ، شعرت بالشفقة تجاهي، وانهمرت دموعها وقالت: "دعني أحكي لك عن نفسي. هل تعلمين أنني ابنة الملك إيموس، ملك جزيرة إينوس؟ للأسف، في ليلة زواجي مع ابن عمي، اختطفني الشيطان زيركي، وهو ابن ليكيموس وحفيد إبليس. حملني طائرًا حتى وصل بنا إلى هذا المكان وسجني هنا. منذ ذلك الوقت، كل ما أحتاجه من ملابس ومجوهرات وطعام وكل متطلبات الحياة اليومية، كان يأتي بها إليّ هو. يأتي إلى هنا كل عشرة أيام ليقف ليلة واحدة، وأخبرني سابقًا أنه مهما احتجت شيئًا، كل ما علي فعله هو لمس أي من السطرين المكتوبين على قبة الغرفة، فسيظهر فورًا. لقد غادر قبل أربعة أيام، ولن يأتي إلا بعد ستة أيام. هل ترغـب في البقاء هنا خمسة أيام، حتى اليوم الذي سيعود فيه؟"
قلت: "بالطبع أرغب بذلك."
فرحت عندما سمعت كلامي، وقامت، وأمسكت بيدي، وعبرنا قوسًا، ودخلنا حمامًا صغيرًا وجميلاً. طلبت مني أن أجلس على وسادة بجانبها، وسقيتني ماءً بالعطور، وأحضرت لي العديد من الفواكه لتذوقها. تحدثنا أثناء الأكل عن الأمور الخارجية. لاحقًا قالت: "تبدو متعبًا، استرح قليلًا."
استرحت ونامت براحة، ونسيت تمامًا ما عانيته من مصاعب وآلام الغربة.استيقظت من نومي، ورأيتها تدلك ساقيّ بلطف، فقمت لأتناول معها الطعام والشراب ونتحدث. قالت: "الله يشهد، أنا وحيدة وأعيش هنا بمفردي، طيلة خمس وعشرين سنة، لم يتحدث معي أحد، كنت شديدة الضيق والكآبة. والله هو الذي أرسلَك إليّ."
كنت ممتنًا لها على حفاوة استقبالها. شعرت بسعادة كبيرة وأنا معها، لأول مرة في حياتي أكون مع فتاة جميلة وجذابة هكذا. خلال ذلك، تحدثنا وضحكنا معًا، وتناولنا الطعام والشراب، وتمتعنا بهذا المساء بسعادة بالغة.
في اليوم التالي، كنت أنا وهي كأننا لا نفترق، فسألتني: "مرحبًا! هل ترغب في شرب بعض الخمر؟"
أجبت: "نعم، أخرج الخمر من فضلك."
دخلت غرفة التخزين وأحضرت زجاجة خمر، ثم قدمت الأطباق والفواكه، وقلت مغنية:
"لو كنت أعلم بقدومك،
لصبت الدموع على وجهي دون تردد،
لأرحب بك، مر على جفوني."
أعجبت بقدراتها وأثنت على كرمها، فشربنا الخمر معًا بسعادة. عندما غالني السُكر، قلت لها: "هيا، دعيني آخُذك للخارج، لتتخلصي من قيود الشيطان."
ابتسمت وهزّت رأسها قائلة: "آه! من السهل قول ذلك! إذا كنت ترعاني حقًا، فلنتفق أنه بعد اليوم، يسمح للشيطان أن يمتلكني يومًا واحدًا كل عشرة أيام، وأشاركك التسعة أيام الأخرى، بهذا أكون راضية."
في هذه اللحظة كنت مخمورًا للغاية وفقدت وعيي، فقمت متمايلًا مصممًا على إنقاذها تمامًا، وقلت: "سأذهب الآن لأمحو الكلمات على السقف، دع الشيطان يأتي إلى هنا. سأقاتله حتى الموت، فأنا ماهر في طرد الأرواح الشريرة!"
عندما سمعت كلامي، اختلط عليها الخوف وقالت: "اقسم باسم الله، لا تتصرف بتهور، لتجنب الوقوع في الفخ والندم لاحقًا."
ثم غنت قائلة:
"الخيول المرفوعة المقود تسابق بعضها البعض,
أيها الفارقان، حاول السير ببطء،
فالزمن مضى ولن يعود،
ونهاية الحياة هي الفراق الأبدي."
لم أستمع لنصيحتها وألحّ على كسر السقف. سرعان ما أصبح السماء مظلمًا، وفي برق ورعد وأمطار ورياح، اهتزت الأرض بشدة. عندها تيقظت من خوفي وسألت: "كيف حدث هذا فجأة؟"
قالت: "الشيطان قادم بسرعة."حذرتك للتو من ألا تكوني متهورة. الله يشهد أنك سببت لي معاناة. يجب أن تهرب من هذا المكان بسرعة من حيث أتيت." شعرت بالذعر، استدرت وركضت، تاركة حذائي وفأسي على الأرض. بمجرد أن وطأت الدرج، سمعت صوت ارتطام قوي، تشققت الأرض، وظهر شيطان مرعب من شق في الأرض وسألها: "لماذا استدعيتني فجأة؟ هل أنت في خطر؟" "لم يكن هناك خطر على الإطلاق. كانت مجرد لحظة انزعاج، فشربت بعض النبيذ لأخفف مللي. كنت مخمورا، وبطريقة ما انتهى بي الأمر بلمس الكتابة على السطح." "يا حقير، كيف تجرؤ على خداعي!" استدار ونظر حوله، رأى حذائي وفأسي، وأشار إليهما قائلا: "هذه تخص الناس. من الذي جاء هنا بالضبط؟" "لقد اكتشفت هذا للتو أيضا. ربما تورطت للتو." "هراء!" لعن الشيطان وهو يخلع ملابسها، ويفرق يديها وقدميها، ويربطها بأربعة أوتاد خشبية، ويعذبها بوحشية، مجبرا إياها على قول الحقيقة. لم أستطع تحمل سماع بكائها وأنينها، وداخلي كنت مرعوبا وقلقا. ارتجفت وتعثرت للخارج، وأعدت الغطاء الخشبي كما هو، وغطيته بالتراب. امتلأت بالندم—لم يكن يجب أن أورطها. عندما فكرت في تلك الفتاة الجميلة والساحرة التي تؤذى من الشياطين، وفي سجنها وتعذيبها الذي دام خمسة وعشرين عاما بسببي اليوم، وعن والدي وعرشه، وأنا أنجرف إلى أرض غريبة كحطاب، غمرني المشاعر وشعرت بتشاؤم عميق. لم أستطع إلا أن أبكي بحزن وأغني: "الحياة قصيرة، والنكسات حتمية؛ يجب أن تواسي نفسك وترفع معنوياتك من خلال الذكريات." وجدت طريقي بسرعة خارج الغابة وتوجهت مباشرة إلى بيت الخياط. كان قلقا وقلقا، ينتظرني وكأنه يجلس على دبابيس وإبر. بمجرد أن رآني، تقدم وقال: "الليلة الماضية كنت قلقا عليك طوال الليل، خوفا من أن تصادف حيوانات برية أو تحدث حادثة في الجبال. الحمد لله، لقد عدت أخيرا سالما." شكرته على اهتمامه، وعدت إلى غرفتي واختبأت وحدي، متأملا تجاربي في الجبال، مليئة بالندم، ولومت نفسي على تهوري والكارثة. وبينما كنت أشعر بالندم والندم، دفع صديقي الخياط الباب فجأة ودخل قائلا: "صديقي، جاء أجنبي من غريب لرؤيتك بحذائك وفأسك."ذهب لرؤية الحطابين، الذين قالوا إنه ذهب إلى المسجد قبل الفجر للصلاة ووجد الأحذية والفأس في الطريق، لكنه لم يعرف لمن هما، فسألهما. تعرف الحطابون عليهما كأنهما لك، فأخبروه، فجاء لرؤيتك ومعه الحذاء والفأس. "إنه ينتظرك في الخارج؛ اذهب وجمع الأحذية والفأس." عندما سمعت كلمات الخياط، صدمت، تغير وجهي بشكل دراماتيكي، وذهني مضطرب، وكنت عاجزا عن معرفة ماذا أفعل. في تلك اللحظة، انشققت الأرض فجأة، وزحف غريب من الداخل. نظرت عن كثب وأدركت أنه الشيطان من الغابة. رغم أنه عذب الفتاة بكل الطرق، رفضت قول الحقيقة. فأخذ الشيطان الحذاء والفأس وقال: "بما أنني زيركي، حفيد إبليس، بالطبع يمكنني أسر الحذاء والفأس والسيد!" ذهب ليسأل الحطاب، ثم وجد مكان سكني. اندفع كالصاعقة، أمسكني بمخالب الشيطان، وطار أعلى وأعلى، حتى هبط في الغابة وزحف إلى القبو الذي زرته. تدريجيا، عدت إلى رشدي ورأيت الفتاة لا تزال مربوطة، مسمارة في الأرض، مغطاة بالجروح والدم. مد الشيطان يده وأمسك بشعرها، سائلا: "هل هذا هو الشخص؟" نظرت إلي الفتاة وقالت: "لا أعرف هذا الرجل؛ هذه أول مرة أراه فيها." "لقد عوقبت بسببه، والآن تريدين إخفاء ذلك عنه؟" لم ألتق به أبدا؛ هذه هي الحقيقة! لا قدر الله الكذب. "بما أنك لا تعرفينه، فاستخدمي هذا السيف لقطع رأسه." اقتربت مني وهي تحمل السيف، وبكيت وأنا أشير إليها، آملا ألا تقتل. فهمت قصدي وهمست: "هذه المشاكل سببك." ألمحت: "الآن هو الوقت لتغفريني وتنقذيني." ثم ردت: "عيناي لساني ورسلتي، تخبرها بأسرار قلبي. عندما نلتقي، تهز مشاعرنا السماء والأرض. عندما أكون عاجزا عن الكلام، تعبر عيناي عن مشاعري نيابة عني. تنظر إلي، وأفهم مشاعرها. أشير إليها، فتفهم أفكاري. نسمح للحب أن يتدفق بصمت بشكل طبيعي، لأن قلوبنا متصلة.فهمت الفتاة ما أعنيه، أسقطت السيف في يدها وقالت: "أنا لا أعرف هذا الشخص على الإطلاق، ولم يسيء إلي. كيف لي أن أقتله؟ وبالإضافة إلى ذلك، هذا النوع من الأمور غير مسموح به في الإسلام." وأثناء حديثها، تراجعت بضع خطوات. قال الشيطان: "أنت لا تنوي قتله، ولا تريد قول الحقيقة. هذا علامة على الحماية المتبادلة بين البشر." فالتفت إلي وسأل: "هل تعرف هذه المرأة؟" "هذه المرأة؟" "هذه هي المرة الأولى التي أراها فيها." "إذا قتلتها بهذا السيف، سأصدق أنك لم تعرفها أبدا، وسأدعك تذهب." التقطت سيفي، ترددت وأنا أقترب من الفتاة، ورفعته كما لو كنت مستعدا لقتلها. نظرت إلي، ملمحة: "لقد سامحتك للتو، وما زلت تريد معاملتي هكذا؟" فهمت قصدها وأجبت بنظرة ذات معنى: "أنا مستعد للتضحية بنفسي لمساعدتك على الهرب." ثم ردت: "الصامت يثق بحبيبها بعينيها. عيون خريفية مرنة، وجه رقيق! تلك النظرة تنقل الحب، تلك الابتسامة تشع جمالا. " كان قلبي مؤلما ومتضاربا، دموع الحزن تنهمر. أسقطت السيف في يدي وقلت: "شيطان قاس، امرأة ذات بصيرة وعاطفة محدودة تفوق العقل، ترفض قتلي. كرجل وغريب عليها، كيف لي أن أتحمل قتلها؟ حتى لو تحطمت، فلن أقتلها أبدا." "أنتما حقا لديكما مشاعر." قال الشيطان وهو يلتقط السيف ويضرب أربع مرات متتالية، يقطع يدي وقدمي الفتاة. وأنا أشاهد مثل هذه الفظائع، عرفت أنني محكوم علي بالفشل. نظرت إلي الفتاة؛ كان هذا الوداع الأخير. قطع الشيطان عنقها بسيف وقتلها، ثم عاد وحدق بي قائلا: "يا رجل، يجب أن أقتلك. قبل أن تموت، أخبرني ماذا تريد." "ماذا تريدني أن أطلب؟" قل لي، هل تريدني أن أحولك سحريا إلى شيء — كلب، حمار، أو قرد؟ "أقسم باسم الله، إذا عفوت عني، وأعفو عن مسلم بريء، فالله سيغفر لك." كنت آمل أن يظهر بعض اللطف، ويملقيه بكل الطرق، ويتوسل بمرارة. قلت: "لست مذنبا."“قل كلامك القليل الفارغ، سأقتلُك بالتأكيد، فقط أعطيك خياراً قبل الموت.”
“أيها الملك الشيطان، ارحم! هذا بالنسبة لك أمر سهل للغاية. أرجوك أن تغفر لي كما يغفر المغرورون للمغتصبين.”
“عم تتحدث؟ ما الذي حدث؟ احكِ لي!”
كان هناك في السابق شخص طيب وذو سمعة طيبة. كان يعيش في مدينة، ويعيش حياة سعيدة ومريحة. لكن أحد جيرانه كان يغار بشدة من سعادته وسمعته الطيبة. وازداد شعور الغيرة لديه مع مرور الوقت، وأصبح أكثر اندفاعاً، حتى أنه لم يستطع مقاومة القيام بأفعال بلا ضمير، وافترى وهاجم الرجل الطيب بلا رحمة، لدرجة أنه لم يستطع هو نفسه النوم أو الأكل بشكل صحيح. أما ذلك الرجل ذو الفضائل العالية، فلم تتغير حالته، بل تحسنت حياته أكثر فأكثر. في نهاية المطاف، لتجنب النزاع مع الجار وتهدئة غيرته وأذيته، قرر بمحض إرادته مغادرة موطنه والانتقال للعيش في مدينة أخرى. قبل الرحيل، تنهد قائلاً: “آه! أشهد الله، من أجله، يجب أن أغادر الأرض وأهرب إلى القمر.”
اشترى أرضاً فارغة في الغربة، وبنى منزلاً، واشترى أثاثاً وأغراضاً منزلية، وبنى مسجداً صغيراً بالقرب من بئر جاف كان موجوداً هناك، وكرس نفسه لممارسة الدين، وكان معروفاً بحسن خلقه، يعيش حياة هادئة. كثير من المسلمين المتدينين والمحترمين كانوا يزورونه دوماً، وحتى أن الكثيرين من أماكن بعيدة قدموا لرؤيته وإقامة الصلات معه. وازدادت شهرته يوماً بعد يوم، وسمع عنه الجار الذي كان يغار منه، وذهب بين الناس لرؤيته أيضاً. فاستقبله بحرارة. وفي هذه الأثناء، قال الغيور له: “قد جئت من بعيد، لأني أريد إخبارك بشيء مهم، ولأعطيك بشرى سارة. اتبعني إلى الخارج لنكلم بعضنا.”
صدقه الرجل الطيب، فوقف وأمسك بيد الغيور، وتحدثا أثناء سيرهما حتى وصلا إلى البئر الجاف. فانتهز الغيور الفرصة ودفعه بقوة إلى داخل البئر. في تلك اللحظة لم يكن هناك أحد حوله، وكل شيء حدث من دون أن يراه أحد، وظن الغيور أنه قد مات، فهرب.
لكن المفاجأة كانت أن بعض الجن قد سكنوا في البئر الجاف، وعندما سقط فيه، التقطه الجن ووضعوه برفق على صخرة كبيرة، فنجا بلا أي أذى. حينها سأل أحد الجن: “هل تعرفون هذا الشخص؟”
فأجاب بقية الجن: “لا نعرفه.”هذا هو الرجل الطيب الذي دُفع إلى البئر من قبل من يغارون منه. لقد انتقل للعيش في مدينتنا، وبنى هذا الكنيسة الصغيرة، وتعبد فيها. يسبح الله كل يوم ويقرأ القرآن بصوت يبعث على الطمأنينة كما لو كانت موسيقى ملائكية. جاره ذلك كان ينوي قتله، فاستخدم الحيلة ودفعه إلى البئر، لكن سمعته امتدت بعيدًا، ولأمر الأميرة، سيأتي الملك لزيارته غدًا.
“ما علاقتها بالأميرة؟”
“لقد وقعت الأميرة تحت سحر الشيطان. إذا عرف أحد وصفة سرية، يمكنه شفاء مرض الأميرة، وهذه الوصفة يسهل جدًا على هذا الرجل الطيب أن يجدها.”
“ما الدواء الذي تحتاجه؟”
“هذا الرجل الطيب يربي قطة سوداء، ولها على ذيلها بقعة بيضاء بحجم قطعة نقدية صغيرة. إذا سُحبت سبع شعيرات بيضاء من البقعة، وأُحرقت، ثم أدخل دخانها على الأميرة، ستشفى على الفور ويبتعد عنها الشيطان.”
احتفظ الرجل الطيب بما دار من حديث الملائكة في قلبه. وفي صباح اليوم التالي، خرج من البئر، وأمسك بالقطة السوداء، وسحب سبع شعيرات بيضاء من البقعة على الذيل، ولفها بورقة. وبمجرد شروق الشمس من الشرق، حضر الملك مع الوزراء والحرس لزيارته.
خرج لاستقبال الملك بتواضع، وذهب مسرعًا نحوه. وبعد الانتهاء من التحية، قال: "هل يمكنني أن أخمن سبب قدوم جلالتكم إلى منزلي المتواضع؟"
“بالطبع، يا رجل الصدق، خمن.”
“جلالتكم قد جاء لطلب نصيحتي حول علاج مرض الأميرة.”
“نعم! يا رجل الصدق، لقد خمّنت بالضبط.”
“أرجو من جلالتكم إرسال شخص الآن لإحضار الأميرة. إذا شاء الله، سأتمكن من شفاء مرضها فورًا.”
شعر الملك بسعادة كبيرة، وأرسل خدامه لإحضار الأميرة المقيدة اليدين والرجلين. جلس الرجل الطيب الأميرة، ولفها بالقماش، وأخرج الشعيرات البيضاء وأشعلها ودخنها عليهم، فبدت الأميرة تستعيد وعيها على الفور. أزاحت يدها عن وجهها وقالت ببطء: “ما الذي يحدث؟ من أحضرني إلى هنا؟”
غمر الفرح الملك حتى قبل عيني الأميرة، ثم قبل الرجل الطيب، ثم استدار ليخبر الوزراء: “قولوا لي، كيف نجزي من شفى الأميرة؟”
“يجب أن يتزوجها.”
“صحيح، قولكم صحيح.”ثم أصدر الملك بأسره أمره بموافقة على تزويج الأميرة له، فأصبح أميراً للخيول بين عشية وضحاها. بعد مرور وقت قليل، توفي الوزير بسبب المرض، فسأل الملك وزراء البلاط عن آرائهم وقال: "من نختاره ليكون الوزير الجديد؟" "فلتكن للأمير دور الوزير." أجاب كل الوزراء بالإجماع. ونتيجة لذلك، أصبح وزيراً. وبعد وقت ليس ببعيد، توفي الملك، وناقش الوزراء مسألة ولاية العرش، وسألوا: "من نختاره ليكون ملكنا الجديد؟" "اختروا الوزير." اتفق الوزراء جميعاً على ذلك. ونتيجة لذلك، قفز من منصب الوزير ليصبح ملكاً. أحب شعبه كأبنائه، وأصبح ملكاً عاقلاً ويحظى بمحبة الشعب. في أحد الأيام، خرج الملك بجولة على العربة، مع وجود الوزراء المدنيين والعسكريين والحرس من حوله، في مشهد مهيب. فجأة رأى ذلك الشخص الغيور أيضًا بين الناس يتفرج، فأمر قائلاً: "اذهبوا وأحضروا ذلك الشخص إليّ، لكن لا تخيفوه." استمع المرافقون للأمر وأحضروا الغيور أمام الملك، وأمر الملك الوزير قائلاً: "خذ من خزينة الدولة ألف قطعة من الذهب، وجهز عشرة حمير محملة بالبضائع واهبها له، وأرسل بعض الأشخاص لتعيده إلى مسقط رأسه." في النهاية، ودع الغيور بعطف، ولم يلاحق أخطاءه السابقة. "أيها الشيطان، هل تعرف الآن فضائل ذلك الرجل الصالح؟ لقد كانت جيرة الغيورين تحقد عليه، وتهاجمه، وتدمر سعادته بإرادة، وحتى بعد أن انتقل إلى مدينة أخرى، لا يزال يتعرض للأذى، وتم دفعه إلى البئر من قبل الغيور، لكنه لم يذكر الأحقاد، لم ينتقم من جيرانه بل غفر لهم وأعطاهم الذهب والبضائع، ألا تستطيع أن تكون مثله؟ من يفعل الخير يلقى جزاء الخير!" توسلت للشيطان بكل حرارة، أتوسل إليه أن يتركني. أنشدت قائلًا: "الشخص الكريم والسخي، لا يجادل أبدًا في خطايا الآخرين. ذنوب الآخرين، يتسامح بها دومًا. كل الذنوب التي بداخل نفسي، أرجو أن تمحوها كلها من الذاكرة الجميلة. من يرجو مغفرة الله، ينبغي أن يغفر للآخرين." بعد سماع الشيطان لرثائتي، قال: "كفى حديثاً! لن أقتلك هذا كافٍ، ولكنني لن أغفر لك بسهولة، سأضع السحر عليك." ثم أمسك بي فجأة وحلق بي في الهواء. طار عالياً، ونظر إلى الأرض من الأعلى، فبدت الأرض كأنها وعاءً طافياً. بعد لحظة، تم أخذي إلى قمة جبل.أمسك الشيطان حفنة من الرمل، وتلا تعاويذ وهو يهمس، ثم رمى الرمل عليّ وقال: "حول هذا الشخص إلى قرد." تحولت فورًا إلى قرد يبدو وكأنه عاش مئة عام. فكرت في أصلي وعائلتي، ولم أملك إلا أن أشعر بالحزن الشديد، لكن لم يكن هناك ما أستطيع فعله لتغيير هذا المصير القاسي، وكان عليّ التحمل بصمت، لأنني أعلم جيدًا أن السماء لا تحكم دائمًا والناس يواجهون التقلبات والمصائب فجأة. تسلقت إلى أسفل الجبل، وأمامي امتدّت سهل واسع لا نهاية له. مشيت عبر هذا السهل لمدة شهر، حتى وصلت إلى شاطئ بحر لا نهاية له. هناك كنت أتجول هنا وهناك، وفجأة لاحظت في البحر الهادئ، قاربًا خشبيًا يقترب من الشاطئ. اختبأت فورًا وراء صخرة كبيرة، وعندما وصل القارب إلى الشاطئ، قفزت داخله. قال أحد الركاب: "أسرعوا وألقوا هذا الشيء العاثر." قال آخر: "لنقتله ببساطة." وقال الثالث: "اقطعوه بهذه السيف الثمينة." أمسك هنالك بجلابة القبطان بشدة، وكنت أبكي دموعًا متواصلة. شفق بي القبطان وقال: "أيها الأصدقاء، هذا القرد يظن أننا المنقذون له، أنا راغب في حمايته، فليبقَ بجانبي، فلا تقتلونه ولا تؤذوه." إذن أخذني القبطان وحماني، وفهمت كل ما يقوله، وكل ما يطلبه مني أفعله. خدمتُه بإخلاص وحرص، وحظيت برضاّه. أبحر القارب في البحر خمسة وخمسين يومًا بسلام، ووصل إلى مدينة مكتظة بالسكان. وبمجرد أن رست السفينة، أرسل الملك وزراءه تهنئة للقارب، وقالوا: "نتمنى لكم السلامة في هذه الزيارة. وقد أوصى الملك أن توصلوا هذه الورقة إلى السفينة، ويلزم أن يكتب كل شخص على الورقة سطرًا واحدًا. وقد توفي الوزير المكلف بتسجيل خط الملك، وقد أقسم الملك أن يجد شخصًا يستطيع أن يكتب بخط يضاهي خطه ليخلفه." استلم التجار الورقة، التي طولها قدم وعرضها عشرة أقدام، وكتب كل من يجيد الكتابة سطرًا على الورقة. وفي النهاية، مشيت بجدية وأخذت الورقة، وخافوا أن أمزقها، وأوقفوني بسرعة، فأشرت أنني سأكتب أيضًا، فقال القبطان: "دعوها تكتب بعض الكلمات، إذا لوثت الورقة أو أفسدتها، سنطردها؛ وإذا كتبت جيدًا، سأعتمدها كابن لي، لأن قردًا ذكيًا مثلها نادر جدًا.ثم حملت القلم الحبر، وكتبت عدة مقاطع شعرية بعدة خطوط:
الأول
في السنوات الماضية، كانت سخاؤك وكرمك مشهودة،
واليوم ما زال الناس يثنون على لطفك.
نسأل ربنا - الله -
ألا يجعلك تائهًا في أرض غريبة.
الثاني
قلمه نشر المعاني في كل مكان،
وخُطك يبعث في الناس شعورًا بالراحة في قلوبهم.
أصابعك مثل خمس جداول صافية،
تسيل منها المياه العذبة، وتسقي الأراضي في كل الجهات.
الثالث
جميع العلماء يودعون الحياة إلى الأبد،
وحبره يبقى محفوظًا إلى الأبد.
أنت لا تكتب عبثًا،
بل تكتب الكلمات التي تسعدك في يوم القيامة.
الرابع
حين وصل إلينا خبر رحيلك،
لم يعد في الدنيا أثر منك.
نحن بعدنا عند فوهة زجاجة الحبر،
نُفصح عن الحزن بالضحك.
الخامس
لم يكن هناك ملوك خالدون أبدية،
فالأشياء تتغير والنجوم تتبدل والناس يأتون ويذهبون.
فقط الصنوبر الأخضر والأرز الأزرق،
يُمثل الحياة دوماً، واقفًا بثبات.
السادس
عندما تفتح صندوق الحبر الجميل والفخم،
دَع القلم والحبر يعبّران عن سخائهما وكرمهما.
يجب عليك أن تسجل الأشياء الجميلة،
وتبرق تحت تألق الحبر.
بعد انتهائي من الكتابة، سلمت الورق إلى المبعوث ليأخذه إلى القصر ويقدمه للملك. بعد أن رأى الملك الكتابة، أعجب بخطّي كثيرًا وأمر المبعوثين: "استعدوا بالموسيقى، واحملوا الملابس الفاخرة، وربطوا البغال والخيول، واستقبلوا هذا الخطاط في القصر بمراسم كبيرة."
استمع المبعوثون لأمره، وابتسم كل واحد منهم سراً.
انتقم الملك وغضب قائلاً: "أنت أيها الأوغاد! هل في أمري ما يعيب؟ تجرؤون على الضحك عليّ؟!"
قال أحدهم: "يا جلالة الملك، لدينا سبب للضحك."
فسأله الملك: "ما السبب؟"
قال: "الخطاط الذي سيستقبله جلالتكم ليس إلا قردًا. رغم أن هذه الحروف جميلة ورشيقة، إلا أنها ليست من كتابة إنسان، بل كتبها قرد أحضره قائد السفينة."
قال الملك بدهشة: "هل يستطيع القرد الكتابة؟"
قالوا: "حقًا، والله يشهد، هذا صحيح تمامًا."
لقد استغرب الملك كثيرًا، وقال بفضول: "أريد شراء ذلك القرد من قائد السفينة."ثم أرسل رسولاً يعزف الطبول والموسيقى، وأخذ معه الملابس والخيول إلى السفينة لاستقبالي، وأمرهم قائلاً: "يجب عليكم أن تلبسوه هذه الملابس، وتجعلوه يركب البغل، وتعتنوا به بعناية فائقة، وتأخذوه إلى القصر بسلام."
وصل الرسل إلى السفينة، وشرحوا لرئيس السفينة رغبة الملك، ثم لبسوني الملابس وجعلوني أركب البغل، وأوصلوني إلى القصر الملكي. وعندما سمع الناس عن هذا الحدث الغريب، خرجوا جميعاً لمشاهدة الأمر، وأصبح كل المدينة صاخبة. وعندما وصلت أمام الملك، ركعت وقبّلت الأرض ثلاث مرات. دعاني للجلوس، فجلست على ركبتيّ. وتعجب الوزراء عندما رأوني أعرف آداب التصرف، وراقب الملك تصرفي بدهشة وفضول.
أبعد الملك مساعديه، تاركاً إلى جانبه خادمًا صغيرًا وراهبا واحداً. ثم أقام مأدبة كبيرة تكريماً لي، وكانت الأطعمة وفيرة للغاية؛ من الوحوش التي تجري فوق الجبال، إلى الطيور الطائرة في السماء، والدواجن المحبوسة في الأقفاص، وأطعمة باذخة لا تُحصى. أشار الملك لي للانضمام إليه على المائدة. ركعت وقبّلت الأرض، ثم جلست لتناول الطعام، وبعد أن انتهيت وقفت وغسلت يدي، وأمسكت بالقلم وكتبت قصيدة تشيد بالمأدبة، مما أسعد الملك كثيراً.
تنهد قائلاً: "يا له من أمر غريب! قرد يستطيع كتابة هذه الحروف الجميلة، وكتابة هذه القصيدة الرائعة. والله، هذا أغرب ما رأيت."
قدم الخدم النبيذ في كأس زجاجي للملك، وبعد أن شرب رشفة أعطاها لي، فأخذتها، ركعت وقبّلت الأرض ورفعت رأسي وشربت كله، ثم أمسكت بالقلم وكتبت قصيدة أخرى:
أولاً
حرقوني على النار وسألوني،
واكتشفوا أنني أتحمل العذاب وأصبر على الألم.
فأحاط الناس بي وعانقوني،
ليقربوني من الأمراء والملوك.
ثانياً
الفجر يبعد الظلام،
دعوني أشرب ثلاث كؤوس من نبيذ الشرور.
كنت حائراً بين الطهور والنجاسة،
لا أدري إن كان النبيذ في الكأس، أم الكأس في النبيذ؟
قرأ الملك قصيدتي وأعجب بها، وقال: "لو كانت هذه القصيدة من صنع إنسان، لكان مؤلفها شخصية عظيمة ستتداولها الأجيال." ثم أحضر الملك رقعة الشطرنج وسأل: "هل ترغب في اللعب ضدي؟"
أومأت برأسي موافقًا. جلست ولعبت مع الملك. بعد جولتين، خسر الملك أمامي مرتين، فتعجب كثيراً.بعد الانتهاء من اللعب، أمسكت القلم وكتبت القصيدة التالية على رقعة الشطرنج:
هذا اليوم تتواجه جيشان،
والمعركة كانت شرسة غير مسبوقة;
حتى حل الليل،
حينها توقفت الحرب وعاد كل واحد إلى معسكره.
قرأ الملك القصيدة، ولم يقل شعوره بالدهشة والفرح عن بدايته.
أمر الملك الفتى: «أحضِر الأميرة إلى هنا. قل لها أن تأتي لمشاهدة هذا القرد.» لم يمض وقت طويل حتى عاد الفتى مع الأميرة. ولكن عند رؤيتي، غطت وجهها بالحجاب وقالت: «يا والدي، لماذا استدعيت إبنتك لمقابلة غريب؟»
«لا، ليس هناك!» قام الملك بدهشة وقال: «هنا هناك فقط الخدم والحراس، جميعهم أشخاص تعرفينهم.»
«هذا القرد في الحقيقة أمير شاب،» قالت الأميرة: «والده ملك. الساحر جيلكي سحره وقتل زوجته – ابنة إيموس. هذا القرد أمير واسع العلم، ونظرًا لأنه تحت تأثير السحر، تحول إلى شكل قرد.»
بعد سماع الأميرة، اندهش الملك كثيرًا، ونظر إليّ بعيون يسأل: «هل ما قالت صحيح؟»
أومأت برأسّي علامة على «نعم»، فلم أستطع كتم حزني وبكيت بحرقة.
سأل الملك الأميرة: «كيف عرفتي أنه أمير؟»
«يا والدي، عندما كنت صغيرة، علمتني امرأة عجوز مختصة بالسحر بعض الجنونيات. درست هذا السحر بعناية، وفهمت مئة وسبعون طريقة من بين طرقه. بعض هذه الطرق يمكنني استخدامها لأداء سحرها، كي أنقل الحجارة تحت قدميك إلى خارج الأرض، وحول اليابسة إلى بحر، وتحويل البشر والحيوانات إلى أسماك ووحوش.»
«يا ابنتي، أقسم بحياتي، ساعدي هذا الشاب بسرعة، أريد أن أجعله مستشاري. إنه شاب ذكي وجميل وواسع العلم.»
«حسنًا، سوف أنقذه فورًا.»
أمسكت الأميرة بسكين، ورسمت دائرة على الأرض، وكتبت داخل الدائرة بعض التعاويذ والرموز، ثم ركزت وأخذت نفسًا عميقًا، وفكرت مليًا، مع ترديد كلمات بصوت مسموع. بعض كلماتها كانت واضحة، وبعضها مربك وغير مفهوم. ترددت الكلمات مدة كوب شاي تقريبًا، ثم بدأ السماء في الظلام تدريجيًا، وفجأة ظهر الساحر أمامنا، وذراعاه مثل جذع الشجرة، ساقاه مثل منصات، عيناه مثل الفوانيس، مما جعل الناس يشعرون بالرعب عند رؤيته. وقالت الأميرة له: «أنت شخص يجب أن تلعن!فورًا، تحول الشيطان إلى أسد وقال: «يا هذه المرأة الماكرة! ألم نقسم ألا نتدخل في شؤون بعضنا البعض؟ فلماذا تخالفين العهد؟»
«يا هذا الملعون! من سيصدق عهدك؟»
«أنت تبحث عن المتاعب بنفسك!»
أسد بدأ يبرز أسنانه ومخالبه، واندفع نحو الأميرة. الأميرة كانت سريعة البديهة، سحبت شعرة من رأسها، وهزتها وهي تتلو التعويذة، وتحولت الشعرة فورًا إلى سيف حاد، فهبت الأميرة بالسيف في مواجهة الأسد، فابتُلع الأسد إلى نصفين بضربة واحدة. ولكن عندما سقط رأس الأسد على الأرض، تحول إلى عقرب سام، ثم تحولت الأميرة بدورها إلى أفعى كبيرة لتلاحق العقرب، وحدثت بينهما معركة شرسة. بعد ذلك تحول الشيطان إلى نسر جبّار، وتحولت الأميرة إلى صقر، وطار الصقر يهاجم النسر. بعد ذلك، تحول النسر إلى قطة سوداء، وتحولت الصقر إلى ذئب، واستمرت المعركة داخل القصر قليلًا.
لم تستطع القطة السوداء المقاومة، وتحولت إلى رمانة حمراء مستديرة، وسقطت في النافورة. انقض الذئب عليها، فارتفعت الرمانة ببطء إلى الهواء ثم سقطت على الأرض وتحطمت، وانتشرت حبات الرمان في الأرض. تحول الذئب إلى دجاجة ذكر وبدأ يلتهم الحبات، فأكلها جميعًا ولم يبقِ حبة واحدة.
في تلك الأثناء، رفرفت الدجاجة جناحيها وصاحت بصوت عالٍ، وهزت رأسها لتشير إلينا، لكننا لم نفهم ماذا تقول. ثم صرخت بصوت مدوٍ، كما لو أن القصر سوف ينهار ويطاح بنا. كانت تبحث في جميع الأنحاء، وأخيرًا لاحظت حبة رمان على حافة البركة بين العشب، فانطلقت نحوها، وعندما كانت على وشك الالتقاط، تدحرجت الحبة إلى الماء وتحولت إلى سمكة صغيرة وغاصت إلى قاع البركة. فتولت الدجاجة التحول إلى سمكة كبيرة لتتبعها.
بعد فترة، سمعنا فجأة زمجرة مخيفة، فارتاع الجميع. وظهر الشيطان في صورته الحقيقية، وفتح فمه، وخرج الدخان الأسود من أنفه وعينيه. بعد ذلك تحولت الأميرة إلى كرة نار وظهرت خلفه، فبدأت مواجهة نارية بينهما، واشتدت النيران والحمم، وامتلأ القصر بالنار والدخان. شعرنا بالرعب الشديد، وخشينا أن نحترق، ففكرنا في القفز إلى البركة للاختباء.
تنهد الملك وقال: «لقد انتهى الحال، نرجو فقط أن ينقذنا الله العظيم. نحن ملك لله، وسنعود جميعًا إلى عنده. لو كنت أعلم هذا، لما أرسلتها لإنقاذ تلك القردة، لعلها لم تصطدم بهذا الشيطان القوى ولتجنبنا هذه المخاطر. يا ليتنا لم نر تلك القردة، كم كان ذلك ليكون أفضل!إنه أمر مشؤوم؛ يجلب الكارثة. أنقذناه بدافع الرحمة، لكن المصائب حلت بنا بأنفسنا!" كنت أتلعثم ولم أستطع التحدث إليه. لاحقا، صرخ الشيطان بصوت عال واندفع أمامنا، مطلقا النيران على وجوهنا. طاردتنا الأميرة، وأحاطنا كرتان من النار. لم تؤذنا نيران الأميرة، لكن نيران الشيطان أعمت عيني وأحرقت وجنتي الملك ولحيته وشفتيه. سقطت كرة نار على الخصي وأحرقته حيا. في ذلك الوقت، كنا في حالة يرثى لنا، نظن أننا لا نستطيع الهروب من الكارثة. في ذروة أزمتنا، فجأة سمح صوت: "الله أكبر! الله أكبر! يهدينا لنتغلب على الشر. بمجرد أن أنهت حديثها، أحرق الشيطان حتى الموت بنيران الأميرة، وتحول فورا إلى رماد. جاءت الأميرة أمامنا وقالت: "أعطني وعاء ماء." ثم التقطت الماء، وهمست تعويذة، وصبتها علي، قائلة: "بقوة الله وسمعته، أعد شكلك الأصلي." بعد أن أنهت الأميرة الترديد، ارتجفت في جسدي وعدت فورا إلى شكلي البشري، مستعديا مظهري السابق. للأسف، كانت إحدى عيني قد أعمتها نيران الشيطان. قالت الأميرة: "أبي، أنا على وشك الموت، لأنني لم أقاتل الشيطان قط. لو كان إنسانا فقط، لكنت قتله بسرعة؛ السبب في أنني كافحت لهزيمته هو أن الرمان كان متناثرا على الأرض؛ إذا نقرت عليها، سيدمر الشيطان فورا. لكن تحت انتظام القدر وسيطرة عليه، ظهر عدة مرات، يقاتلني بشراسة، يقاتلني على الأرض وفي السماء وفي الماء. كلما ألقي تعويذة، قاتلني بنفس التعويذة، وفي النهاية استخدم اللهب ضدي. لم يكن هناك ساحر لم يستطع هزيمتي بسحر اللهب. لحسن الحظ، القدر استولى علي وسمح لي بحرقه حتى الموت أولا. لكنني كنت على وشك الموت. بعد أن أغادر، سيعطيك الله ابنة أخرى." بعد أن تحدثت الأميرة، اشتعلت لهب أسود في صدرها، وانتشرت تدريجيا إلى وجهها. في تلك اللحظة، بكت وقالت: "أؤكد أن الله هو الرب الوحيد، ومحمد رسول الله." وبذلك، احترقت أخيرا بالنار. ونحن نشهد انفصال الحياة عن الموت، نشعر بحزن عميق.لا أستطيع أن أرى الأميرة الجميلة التي أنقذتني تتحول إلى رماد، فأنا أفضل أن أموت بدلًا منها. رغم أن لدي هذه الرغبة، إلا أن تقدير الله ليس من شأن البشر تغييره. عندما رأى الملك الأميرة تتحول إلى رماد، ضرب صدره بالأيدي، وجزع، وشق ثيابه، وجذب لحيته، وبكى بحرقة. وأنا أيضًا بكيت بصوت عالٍ، والدموع تتدفق كالعين. سمع خدم الملك والوزراء صوت البكاء فجاءوا مسرعين، فلما رأوا أن الملك على وشك الموت، وأن هناك كومتين من الرماد على الأرض، أصابهم الذهول والفزع، وتجمدوا في مكانهم، وأسرعوا يحيطون به لإنقاذه.
استفاق الملك ببطء، وأخبرهم بما جرى بين الأميرة والشيطان. رأوا أن هذا مصيبة على الدولة، فحزن الخدم والوزراء وبكوا جميعًا.
ثم أقام الملك جنازة للأميرة، وأجرى مراسم استمرت سبعة أيام. وأمر الملك بإنشاء ضريح عالٍ للأميرة، وأوقد مصابيح زيتية مضيئة، وأمر برمي رماد الشيطان في كل مكان، ليُفش في الرياح ولا تترك أثرًا.
بعد انتهاء الجنازة، أصيب الملك بمرض شديد، واستلقى على السرير، وكانت حياته على المحك.
بعد مرور شهر كامل، استعاد الملك صحته، ونمت شاربه المحترق قليلاً. دعاَني إلى جانب السرير وقال لي: "أيها الشاب، عندما لم تأتِ إلى هنا، كانت حياتنا هادئة ومستقرة. ليتنا لم نرك، فحالنا الحزين والمأساوي الآن كله بسبك. أولًا، فقدت ابنتي، وهي أقوى من الرجال بمئة مرة؛ ثانيًا، أُحرقت وجهي ومات خدامي. لقد دفعنا ثمنًا باهظًا من أجلك، ومع ذلك لم نطلب منك أي شيء. هذه الكارثة قدرها الله، ولا يمكن تفاديها. على كل حال، قدمت ابنتي نفسها فداءً لك، وهذا ما يجب أن أحمد الله عليه. يا ولدي، اذهب الآن، ابتعد بعيدًا. هذه المآسي التي حدثت من أجلك حطمت قلبي. أدعو لك بالسلامة والعودة إلى بيتك بسلام، ولا أريد أن أراك مرة أخرى، وإلا ربما أقتلَك."
ودعت الملك وغادرت القصر، ورحت أغادر هذا البلد.
سرت بلا هدف، وكدت أضيع، فتداعت ذكريات الماضي إلى ذهني: الهروب من اللصوص؛ السفر شهرًا كاملاً ثم لقاء الخياط في المدينة؛ لقاء الفتاة في الغابة في غرفة مخفية؛ وكدت أن أقتل على يد الشيطان... كل هذه الأحداث كانت حاضرة أمام عيني. أخيرًا، حمدت الله وتنهدت قائلًا: "فقدت عينًا لكنني حفظت حياتي."منذ ذلك الحين أصبحت أبكي كل يوم، وأسير إلى المدينة المقدسة لأداء الحج، مصمماً على أن أجد هناك ملاذي الأخير.
