كانت نوكيا في نهاية القرن الماضي واحدة من أنجح الشركات في أوروبا، وكانت محور المنافسة التقنية بين الأوروبيين وسان فرانسيسكو، ونموذجاً للشركات العملاقة؛ في عام 2000، كانت نوكيا أيضًا "اللؤلؤة على تاج" المستثمرين الأمريكيين، وسعر سهمها كان ثابتًا جدًا، ويبدو أنه مستمر في الارتفاع؛ حتى قبل ثلاث سنوات، لم يكن بإمكان أحد أن يتخيل أن مثل هذا البرج العملاق سيواجه شفا الانهيار. ومع ذلك، في صناعة الهواتف الذكية، الوصول مبكرًا والتأخر في التوقيت ليس أمرًا جديدًا. نوكيا مثال نموذجي على ذلك.
في أزهى أوقاته، استحوذت نوكيا على 40٪ من سوق الهواتف العالمي، ودفعت الحكومة الفنلندية 21٪ من الضرائب على الشركات في البلاد.
في عصر 2G (GSM)، كانت نوكيا تستفيد إلى أقصى حد: تصميمات عصرية؛ وتيرة إطلاق عشرات الطرازات كل عام، وتغطية أسواق مرتفعة ومتوسطة ومنخفضة؛ جودة مكالمات مستقرة؛ متانة تتحمل السقوط على الأرض دون أي ضرر. الأهم من ذلك، أن نوكيا تمتلك قنوات مبيعات متطورة، وقدرة صارمة على إدارة القنوات، ونظام خدمة ما بعد البيع متكامل، مما جعل بيع مليون وحدة من الهواتف ليس أمرًا غريبًا بالنسبة لها. وبالنسبة لما يسمى "تطبيقات الإنترنت المحمولة" في عصر 2G، كانت مجرد رسائل وسائط متعددة، ونغمات ملونة، وألعاب، وكانت متطلبات البيانات ضئيلة جدًا، وهذا كفيل بإخفاء العديد من المشكلات.
نقطة التحول لنوكيا كانت بين عامي 2007 و2008، بسبب ظهور 3G. في السنوات التالية، انخفضت القيمة السوقية لنوكيا بنسبة 75٪، وفي السنة أو السنتين الماضيتين، كانت محاطة بالمشاكل القانونية: انتشرت شائعات عن احتمال استحواذ مايكروسوفت عليها، وظهرت اصطدامات متكررة مع موزعيها في الصين وتعرضت لمقاطعة مشتركة، وتسريحات عالمية للعمال... حتى انتشرت شائعة بأنها "تقدمت بطلب لحماية الإفلاس".
كما يقول المثل، لا موجة بلا ريح. لماذا فجأة ظهرت شائعة إفلاس نوكيا؟ سبب هذه الشائعة له علاقة بتراجع أداء نوكيا في سوق الهواتف خلال السنوات الأخيرة، خاصة في سوق الهواتف الذكية.
في عصر 3G، انفجرت الطلبات على تصفح الإنترنت عبر الهاتف المحمول مثل ثوران البركان، وكشفت مشاكل نوكيا بالكامل.
استيقظت نوكيا لتجد أن شركتي أبل وجوجل سبقتاها بكثير، والأهم من ذلك، أنها لم تعد تعرف مستخدمي الإنترنت المحمول. لقد تغيرت قيم الإنترنت المحمول تغييرًا جذريًا.يحتاج المستخدمون الجدد للإنترنت إلى استخدام الهواتف المحمولة على الإنترنت لفترات طويلة، ويحتاجون إلى كمية هائلة من التطبيقات للاختيار، ويحتاجون للمشاركة في ألعاب معقدة، وحتى إلى استخدام الهواتف لاختبار سمك الدهون تحت الجلد، واستخدام الهواتف لاختيار البطيخ. أما مطورو البرمجيات فيفضلون الدخول بمستوى يسير — وهذا يتطلب تجاوز الحواجز المتعلقة بالتكلفة والتقنية، ونظاما Android من Google وiOS من Apple يبدو أنهما أكثر ودية. سامسونج وHTC، وحتى موتورولا العريقة، قد تحوّلوا منذ وقت طويل إلى مرافئ جديدة. أما نوكيا فكانت تتخذ قرارات صعبة بين عدة أنظمة تشغيل. بعد اكتشاف فشل Symbian، حاولت نوكيا التعاون لفترة قصيرة مع Intel لتطوير نظام MeeGo، لكنها واجهت إحراجاً نتيجة محاولة رقصة فيلَين كبيرين معاً، ولم تستطع خطواتها الثقيلة مواكبة الإيقاع المرن. في العام الماضي، أعلنت نوكيا تعاونها مع Microsoft وتحولها إلى مجموعة WindowsPhone. أما نظام Windows من Microsoft فقد خسر أمام Symbian منذ عدة سنوات وكان يعاني من صعوبة في المضي قدماً، لذا ظل هذا التعاون بين الأخوين المعاقين محط شكوك كبيرة بين الناس في الصناعة.\ وقال البعض على Weibo إن نوكيا خسرت بنسبة 100٪، وهذا القول ليس بلا أساس. فنوكيا قدمت أول نموذج لهاتف ذكي قبل iPhone بعشر سنوات، وتكنولوجيا اللمس قبل Apple بثلاث سنوات، وخدمة Ovi قبل متجر Apple AppStore بسنة واحدة. من ناحية الابتكار، حققت نوكيا بالفعل العلامة الكاملة. ومع ذلك، فقد كانت نوكيا في السنوات الأخيرة خاسرة تماماً، وهذا يشبه طالباً يشارك في امتحان القبول الجامعي، يحصل على علامة كاملة في الرياضيات، ودرجة صفر في جميع المواد الأخرى، هذا الطالب محكوم عليه بالفشل. إذن، أين أخفقت نوكيا تحديداً؟\ عند مناقشة أسباب فشل نوكيا، من السهل ملاحظة أن المشكلة ليست في الموارد، بل في العقليات. فهي لم تستطع التخلي عن كبريائها وتفوقها حينما كانت كالجنرال، ولم تستطع التخلص من أعباء النجاح، وأوضح تعبير عن ذلك هو إدراكها أن نظام Symbian لم يعد يصلح، لكنها لم تغيره ولم تستخدم نظام تشغيل جديد للهواتف، فلن يكون أمامها سوى انتظار الفشل.\ ومع ذلك، فإن ما هز أساسات نوكيا كان الأكثر فتكاً هو الانحراف في اتجاه الشركة، فبدأت تتوسع بشكل أعمى في مجالات لا تعرفها.\ في عام 2006، مع انخفاض أسعار الهواتف، قررت نوكيا التحول إلى "شركة إنترنت". في ذلك الوقت، تم توحيد مصطلحات نوكيا الرسمية لتصبح "نحن شركة إنترنت". ولذلك، شرعت نوكيا في سلسلة من الاستحواذات، حيث استحوذت على خمس شركات لتطوير البرمجيات وشركات إنترنت.في أكتوبر 2007، أنفقت نوكيا 8.1 مليار دولار لشراء أكبر مزود للخرائط في العالم Navteq، مما أثار ضجة في صناعة الاتصالات العالمية. واستُثمرت مليارات الدولارات في تطبيقين جديدين هما Ovi البريد و Ovi الخرائط. من خلال التعاون مع مزودي خدمات الإنترنت ومشغلي الشبكات، بدأت نوكيا في تقديم خدمات التنزيل المدفوعة للموسيقى والألعاب ونغمات الرنين وغيرها. ولكن أمام نموذج الدفع الخاص بـ Ovi الخرائط، اختار معظم المستهلكين خرائط جوجل المجانية والناهية النضج. ونتيجة لذلك، لم تحقق الاستثمارات الضخمة العائد المتوقع.\وبالمقابل على الابتعاد الكبير عن النشاط الرئيسي، تعاني نوكيا حالياً من ركود في سوق الهواتف الذكية.\من الجنرال إلى الجندي. مسار نوكيا جعل جميع عمالقة الاتصالات لا يستهينون بالأمر، ففي السنوات الخمس الماضية، صنعت صناعة الاتصالات العديد من المعجزات: تم الاستحواذ على موتورولا من قبل جوجل، وإفلاس أكبر شركة وطنية كندية بيل نيتووركس، ولم يتبق سوى شعار سوني في سوني إريكسون… وسقط العمالقة السابقون الواحد تلو الآخر، فمن سيكون التالي؟