1\ الناس غالبًا ما يعتبرون التواصل مهارة، لكنهم يغفلون عن أن الانفراد أيضًا مهارة، وبمعنى معين، هي أهم من التواصل نفسه. وبالعكس، عدم إتقان التواصل بالطبع يُعد نقيصة، وعدم القدرة على تحمل الوحدة قد يكون أيضًا عيبًا جديًا للغاية.\ 2\ الانفراد هو أيضًا مهارة، وليس أي شخص في أي وقت يمكن أن يمتلكها. امتلاك هذه المهارة لا يعني التوقف عن الشعور بالوحدة، بل يعني القبول بالوحدة وجعلها منتجة. للإنسان ثلاثة حالات أثناء الوحدة. الأولى هي القلق والاضطراب، والارتباك، وعدم القدرة على التركيز، والرغبة الوحيدة في الهروب من الوحدة. الثانية هي التعود تدريجيًا على الوحدة، والاطمئنان، ووضع نظام لحياته، واستخدام القراءة أو الكتابة أو غيرها من الأنشطة لطرد الوحدة. الثالثة هي أن الوحدة نفسها تصبح تربة شعرية، وفرصة للإبداع، تحفز على التفكير العميق والخوض في التأمل حول الوجود والحياة والذات.\ 3\ الانفراد هو لحظات وتجارب جميلة في حياة الإنسان، رغم وجود بعض الوحدة، إلا أن هناك شعور بالامتلاء فيها. الانفراد هو مساحة ضرورية لنمو الروح، ففي لحظات الانفراد، نبتعد عن الآخرين والمهام، ونعود إلى أنفسنا. في هذا الوقت، نواجه أنفسنا والله وحدنا، ونبدأ حوارًا مع روحنا ومع القوى الغامضة في الكون. كل حياة الروح بالمعنى الدقيق تبدأ في الانفراد. الحديث مع الآخرين عن التاريخ والأحداث، أو الاستشهاد بالأمثال والنصوص، هو مجرد دردشة ونقاش. فقط عندما نغمر أنفسنا وحدنا في أعمال العظماء عبر العصور، تتحقق الإدراكات الروحية الحقيقية. التجوال مع الآخرين مجرد سياحة، فقط عندما نواجه الجبال الشاسعة والبحار وحدنا نشعر حقًا بالتواصل مع الطبيعة.\ 4\ من وجهة النظر النفسية، يحتاج الإنسان إلى الانفراد من أجل تحقيق التكامل الداخلي. ما يُقصد بالتكامل هو وضع الخبرات الجديدة في مكان مناسب داخل ذاكرته الداخلية. فقط بعد هذه العملية من التكامل يمكن للانطباعات الخارجية أن تهضمها الذات، ويمكن للذات أن تصبح نظامًا مستقلًا وينمو مع ذلك. لذا، القدرة على الانفراد تؤثر على قدرة الشخص في تكوين عالم داخلي مكتفٍ نسبيًا، وهذا بدوره يؤثر على علاقته بالعالم الخارجي.\ 5\ كيف يمكن الحكم على ما إذا كان لدى الشخص "ذات"؟ هناك طريقة اختبار موثوقة، وهي النظر فيما إذا كان يستطيع الانفراد بنفسه.عندما تكون وحيدًا، هل تشعر بالملل الشديد وصعوبة التحمل، أم تشعر بالهدوء والرضا والاكتفاء؟
ارتباط حب الشخص للانفراد أو بقضمة شخصية الفرد أمر غير مرتبط، فالشخص الذي يحب الوحدة قد يكون نشيطًا واجتماعيًا ويحب الأصدقاء، لكنه بغض النظر عن مدى استمتاعه بالتواصل مع الآخرين، تبقى الوحدة ضرورة في حياته. من وجهة نظره، الحياة التي تفتقر للتواصل يُعتبر بها وجود نقص، أما حياة تفتقر للوحدة فهي بمثابة كارثة.
لا يوجد شخص يمكنه تحمل العزلة المطلقة. ومع ذلك، الشخص الذي لا يستطيع تحمل الوحدة على الإطلاق هو شخص ذو روح خاوية. في العالم هناك بعض الأشخاص الذين يخافون من البقاء وحدهم، ويُعتبر البقاء مع أنفسهم لفترة قصيرة بالنسبة لهم عقوبة قاسية. بمجرد أن يجدوا أنفسهم بلا انشغال، يجب عليهم البحث عن مكان للتسلية. على السطح يبدو أن حياتهم مليئة بالانشغالات والضجيج، لكن في الداخل هم فارغون للغاية. كل ما يقومون به الهدف منه هو تجنب مواجهة أنفسهم. ويمكنني تفسير ذلك بأنهم يشعرون بفراغهم الداخلي، والبقاء مع أنفسهم الفارغة بلا معنى، وأي تسلية مملة أفضل بكثير من ذلك. ونتيجة لذلك، يصبحون أكثر فقرًا داخليًا، وأقل شعورًا بذاتهم، ما يؤدي إلى دائرة مفرغة.