【حياة السينما】عازف البيانو على السفينة
كان يتيمًا تُرك على متن الباخرة البخارية، فتبناه مشعل الفحم الطيب على السفينة، ومع ذلك لا يحصد الصالح سوى السوء، حيث مات مشعل الفحم في حادث، وأصبح 1900 الذي لم يتخط عمره عدة سنوات يتيمًا مرة أخرى. موهبته الفذة جعلته يتقن العزف على البيانو بنفسه ليصبح سيدًا في العزف، لكن القدر جعله بطبيعة الحال حذرًا تجاه عالم الناس الدنيوي، فلم يجرؤ أبدًا على مغادرة السفينة والذهاب إلى اليابسة، فقط لأن ناطحات السحاب اللامتناهية وجموع الناس في نيويورك جعلته يشعر بعدم الأمان. وحتى عندما التقى لاحقًا بفتاة أحبها من النظرة الأولى، وبعد الكثير من التفكير، تخلى عن فكرة النزول إلى اليابسة للقاء حبه الأول. بقي دائمًا على السفينة، حتى عندما حذره الصديق الوحيد أن السفينة المهجورة ستُفجر، لم يرد المغادرة، فمات 1900 على متن السفينة فرجينيا على عمق البحر، دون أن يغادرها منذ ولادته. 1900، هذا الشخص الذي لم يُسجل ميلاده ولم يكن لديه أي إثبات هوية، اختفى من العالم دون أن يترك أي أثر، تمامًا مثل النوتات الموسيقية التي تنساب وتختفي دون أثر. بعض الأفلام، بعد مشاهدتها، تجتاحك موجات من المشاعر ولا تدري من أين تبدأ الكتابة عنها؛ أفكارك مشتتة ولا تعرف كيف ترتبها، وفيلم "عازف البيانو على البحر" هو بهذه الطريقة فيلم جعلني غير قادر على التوقف عن التفكير أو الكلام عنه. بعد مشاهدة الفيلم، كان شعوري الوحيد هو الوحدة، وحدة حقيقية. لكن، هل كان 1900 وحيدًا حقًا؟ في كثير من الأحيان لاحقًا شعرت أنه لم يكن وحيدًا، فهو يمتلك إلهامًا موسيقيًا لا ينضب، وموهبة لا تعد ولا تحصى، وأنغامًا متدفقة بلا نهايات. في الواقع، لم يكن وحيدًا، بل هو الذي جعلنا نشعر بالوحدة، فبدون الروعة الفطرية للعبقرية، وبدون كونك استثنائيًا بطبيعتك، وبدون رأس مال من التميز، وبدون محتوى داخلي غني، وبدون تقدير واعتراف في هذا العالم، نصبح وحدنا؛ ومن خلال 1900 رأينا ضعفنا، نقصنا، وتقلبنا، لذلك شعورنا بالوحدة. كشخص موجود في هذا العالم، نصنف منذ ولادتنا وحتى وفاتنا بألقاب وهويات مختلفة. عند الولادة، اختار لنا الوالدان رمز حياتنا، أي الاسم، يجب تسجيله في السجل المدني، وعند بلوغنا سن الثامنة عشرة نحتاج إلى بطاقة الهوية؛ في المدرسة نحن طلاب، وعند العمل يتم تقييمنا على المناصب، وعند تقديمنا للآخرين نكون أولادًا أو والدين أو أصدقاء أو زملاء، فأي من هذه هو أنا الحقيقي؟بعد أن تزال كل هذه الأشياء، هل ما زلنا نحن؟ هل ما زلنا قادرين على إيجاد أنفسنا؟ عام 1900 كان طفلاً بلا شهادة ميلاد، لا ينتمي إلى أي دولة ولا يملك اسماً بالمعنى التقليدي لدينا، وإذا مات فلن تجد أي أثر لوجوده في أي سجل، وربما لن يتذكر الكثيرون وجوده، ولم يكن لديه قبر ليُحتفظ فيه بجثمانه، لكنه كان موجودًا بالفعل، عاش حياة حقيقية بالفعل، فبماذا أثبت وجوده؟ لطالما اعتقدت أن حياة عام 1900 تجسّد الفكر الوجودي، فهو يحتقر القواعد، يحتقر القواعد المعترف بها اجتماعيًا، كان يخاف من الوصول إلى اليابسة ولكنه في الحقيقة كان يرفض الوصول إليها، محتقرًا الوصول. لقد كان يعتبر وجوده أهم من الاعتراف الخارجي به، وكان يستطيع بسهولة هزيمة مؤسس موسيقى الجاز وإظهار احتقاره له، وكان يستطيع أن يكسب الشهرة والثروة بموهبته لكنه رفض أن ينفصل عن الموسيقى، كان يستطيع باستخدام الموسيقى استكشاف قلوب الجميع، يمكنه السفر من خلال الموسيقى، ويمكنه البحث عن حبه، لكنه لم يسعَ لها كما يفعل الناس العاديون، بل ألقاها برفق في البحر، وسحب قدميه عن الوصول إلى اليابسة. وفقًا للفلاسفة الوجوديين، يعيش الإنسان في عالم معارض له ومليء بخيبة الأمل، ومكانة الإنسان في العالم غير مؤكدة. الإنسان الحر تمامًا هو أيضًا شخص قلق ووحيد بلا سند، رغم أن للإنسان حرية الاختيار، إلا أن الحياة المستقبلية التي يواجهها غير واضحة وبدون هدف. هو يمضي نحو المستقبل بعشوائية، وكل ما يعرفه هو أن النهاية الحقيقية للحياة هي الموت. الموت باعتباره المصير النهائي للحياة له أهمية كبيرة بالنسبة لوجود الفرد. لذلك يعتبر الوجوديون متشائمين، ففي نظرهم، الحياة مأساة. حياة عام 1900 كانت لا محالة مأساة، وهي مأساة كان بإمكانه توقعها بنفسه. "المدينة كبيرة جدًا، ولا أرى نهايتها، توقفت ليس بسبب ما أرى بل بسبب ما لا أرى، بسبب الأشياء التي لا أراها. المدينة المتواصلة بلا انقطاع مليئة بكل شيء إلا النهاية، أحتاج أن أرى نهاية العالم. بعد الوصول إلى اليابسة، إلى أين أذهب؟ أن أحب امرأة، أن أسكن في منزل، أن أشتري قطعة أرض، أن أراقب مشهدًا، أن أسلك طريقًا مسدودًا، الكثير من الخيارات تجعلني عاجزًا عن الاختيار. بلا نهاية، بعد تفكير متواصل، ألا تخاف من الانهيار النفسي؟ كيف ستعيش أيامًا كهذه؟ لا أستطيع التخلي عن هذه السفينة، ويفضل أن أتخلى عن حياتي بدلاً منها".أحب أن أغلق عيني وأستمع مرارًا وتكرارًا لمقطوعة البيانو التي تعزفها 1900 لمساعدة صديقه على التغلب على دوار البحر، متخيلًا نفسي جالسًا على تلك السفينة أيضًا، أتأرجح مع تماوج الأمواج. في تلك اللحظة، كانت الموسيقى قادرة على ابتلاع الإنسان، تجعلك تنسى كل شيء وتمنحك الحرية التامة، تجعلك لا تشعر بوجودك ومع ذلك تشعر بمتعة وجودك بوضوح شديد. يمكنك أن تشعر بالطيران، يمكنك أن تشعر بالدوران، يمكنك أن تشعر بالقفز، تمامًا مثل رحلة في أوائل الربيع، أو ركوب الأمواج في الصيف. هنا لا يوجد إلا الجمال، يوجد فقط جمال الوجود، وكنت أظن أن هذه هي الحياة، وجود حي مليء بالجمال.
الردود (5)
شاهدت هذا الفيلم، شعرت أنه جيد جدًا
أشعر بشعور جيد
هل شاهدت '؟`...
كنت أظن أنه مستر بين!!
دعم!
— تم تحميل كافة الردود —